بلاد ما بين “الوصايتين”…من “لبنان الكبير” الى لبنان التغيير.

د. بلال عقل الصنديد

سبتمبر ٢٠٢٠

في بداية ايلول /سبتمبر من كل عام تستذكر  بلاد الارز ذكرى اعلان دولة “لبنان الكبير” التي بلغت هذا العام مئويتها الأولى مع الخشية، وربما الأمل، أن يكون اليوبيل الماسي للدولة “العجوز” مناسبة لتغيير جذري في الكيان اللبناني تحت وطأة الانحدار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ساهم فيه الداخل الجامح قبل الخارج الطامع.

بغض النظر عن النزعة التحررية لقسم كبير من الشعب اللبناني، فإن اعلان دولة “لبنان الكبير” على لسان الجنرال الفرنسي “غورو” كان جزءا من توافق دولي على توزيع النفوذ وتقاسم الغنائم بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الاولى. وقد تعمّد “الوصي” الفرنسي تأطير التركيبة الطائفية للدولة الفتية بنصوص دستورية تحافظ بنظره على الخصوصية المسيحية، الأمر الذي انعكس بالتأثير المباشر على تاريخ لبنان السياسي واستفاد منه الاقطاع الَمتوارث وتغذت منه سلسلة الحروب الاهلية والنزاعات المسلحة.

وهكذا تتالت الوصايات الدولية والاقليمية على لبنان؛ مرة من جهة الشرق واخرى من جهة الغرب، وتارة على صورة انتداب واطوارا بمسميات جذابة كالوحدة العربية  ووحدة المسار والمصير وغيرها مما تجود به قريحة الديماغوجية السياسية!

وفي كثير من الأحيان تلاقت الرياح العاتية من جهة الشرق مع السحب الآتية من ناحية الغرب لتمطر توافقا في لبنان يجعله دولة تعيش بين وصايتين اداتهما السوط العسكري والمبرد الدبلوماسي!  فاذا ما تجاوزنا تعاقب الاحتلالات الكبرى وما حفرته على صخرة الواقع اللبناني منذ زمن الفينيقيين الى عهد الامارة، نستذكر في التاريخ الاكثر قرباً تأثير القناصل على كيان “المتصرفيتين” ومن ثم نلتفت الى الدور  الفرنسي والمصري والسوري والسعودي والايراني والاميركي حتماً والاسرائيلي خجلاً، في رسم معالم الجمهورية اللبنانية  وتطويع سياساتها وأهل الحكم فيها. 

وكما كل مرة تتقاسم الدول النافذة مصالحها على حساب انقسام اللبنانيين ؛ فاتفاق القاهرة الذي رعاه جمال عبد الناصر فرد وفرض الغطاء العربي على الكفاح المسلح الفلسطيني وشرعن ممارسته من جنوب لبنان دون أي اعتبار للسيادة اللبنانية ولا لأمن اللبنانيين، الأمر الذي سبقه تقرب لبنان الرسمي من حلف بغداد الذي ارادته الولايات المتحدة الاميركية عنصر توازن يخفف من هيمنة المد السوفياتي على دول الشرق الاوسط.

وهكذا تتالت الاتفاقات التي صفق لها اللبنانييون كونها وضعت حدا،  ولو مؤقتا وجزئيا، لانقساماتهم ونزاعاتهم ولانفراط عقدهم الاجتماعي؛ وليس بعيدا عنا جولات المفاوضات في لوزان السويسرية ولا الاتفاق الدستوري في مدينة الطائف السعودية ولا هدنة الأمر الواقع في الدوحة القطرية، ولا اجتماع “قصر الصنوبر” الفرنسي/البيروتي الذي جمع فيه الرئيس الفرنسي “فتى اوروبا الاغر” كل عجائز  السياسة اللبنانية وعتاتها ليهددهم بعقوبات مالية شخصية اذا لم ينصاعوا لخارطة الاصلاح التي يراها مناسبة!

هذا الواقع المرير انتهى الى وجود شبه دولة او ربما “شبه كيان” تتحكم في مساراته الكبرى مصالح الدول الاكثر نفوذا ويتحكم في اتجاهاته الصغرى “زعماء” و”قادة” يراهم الشعب اللبناني بصورة سلبية حتى لا نطلق التوصيفات، ويرونه هم لقمة سائغة للشعارات الشعبوية والطائفية.

وفي كل مرة يبلغ السيل الزبى في القسم البائس من الشعب اللبناني فيثور او ينتفض، وعند كل مفصل وطني يهدد او يخلخل “الستراتيكو” الحزبي الطائفي الاقطاعي، يتداعى أهل السلطة على مختلف انتماءاتهم الى لقاء يجمع المتناقضات وينتهي بالعادة  الى اعادة جدولة للمنافع واعادة توزيع للادوار. وهذا ما حصل مثلاً في مندرجات “طاولة الحوار” التي ارست هدنة سياسية بين مكونات ما يسمى قوى 8 و14 آذار، وهذا ما تكرر عندما التقى الفرقاء في عز انقسامهم العامودي لمواجهة التهديد الآتي من الحراك الشعبي الذي انتج حملة “طلعت ريحتكم” وغيرها من مجموعات الحراك الشعبي، وهذا ما يحصل منذ انتفاضة “تشرين” ٢٠١٩ على أكثر من صعيد وفي أكثر مناسبة. فقد صدق القول فيهم انهم يختلفون على حساب الشعب ويتفقون ضد مصالحه!

ان ما يخطط للبنان الذي بلغ مئويته الأولى يسوّق على انه وقوف الى جانب شعبه الذي يعاني في كل تفاصيل حياته اليومية ويقاسي من الترهل الاداري والعجز الاقتصادي والفساد الاخلاقي والمالي، ولكن بواطن الامور تشير الى اتفاق اوروبي_اميركي اساسه النظرية القائلة ان البلاد التي تحيط بالكيان الصهيوني يجب ان تعيش دائما بين حالتي” اللا استقرار” و”اللا انهيار”، فترامب المشغول بانتخاباته والذي يهمه استقرار الحدود الاسرائلية ترك الدفة مؤقتا للاوروبيين واستفاد من حماسة الرئيس الشاب “ماكرون” الذي يحاول لاعتبارات فرنسية داخلية وامتدادات تاريخية مع وجه لبنان الثقافي والحضاري ان ينقذ آخر انفاس الشعب اللبناني دون أن تسمح الرؤى الدولية بالمساس بالتوازنات الاقليمية والداخلية ودون أن يتاح للبنان بلوغ الاستقرار والنمو الكاملين والمنشودين.

النفط، الغاز، المصالح الدولية، ايران، تركيا واسرائيل كلها حاضرة في ترتيب الاوراق اللبنانية دون أن يؤدي ذلك الى خلطها او تغيير اللعبة! ولكن المتغير الداخلي الوحيد هو الخضوع الجزئي لارادة الناس وسماع ضعبف لمعاناة الشعب الذي اتفق معه قادة العالم على ضرورة تغيير وجوه الدولة العميقة او تجميد انفلاش نفوذها على الاقل.

ما ينتظره اللبنانيون في الاشهر القليلة القادمة ليس مبشرا ولكنه ليس خطيرا لدرجة الانهيار او الفلتان الأمني، انه زمن المراوحة بانتظار الذكرى السنوية لانتفاضة “١٧ تشرين” وترقب الانتخابات الاميركية
التي ستعيد خلط اوراق الشرق الاوسط لمصلحة ايران واسرائيل معاً في لعبة خبيثة خبرها دوما قادة وشعوب
الشرق الاوسط دون ان يتمكنوا من الانقلاب على مسلماتها او حتى ممارسة حق الاعتراض العلني عليها.

وما بعد تشرين قول آخر، حيث سيشهد لبنان بداية النهاية لما استقر عليه أهل الحكم والسلطة؛ وما تغيير الوجوه، ولو شكلياً، في رأس وجسم الحكومات اللبنانية الاخيرة الا مبشرات لم تصل بعد لحد تمزيق صورة الماضي الذي تحكم بمفاصله صنّاع الحرب وسرّاق السلم.

عود على بدء، فإن الذكرى المئوية للبنان الكبير قد تكون صفارة الانطلاق للبنان “التغيير” ولكن التغيير المنشود لن يكون حقيقيا الا اذا كان صورة صادقة لارادة الشعب الصامت وليس تكرارا لما سبق من اتفاقات ووصايات وتوزيع مناصب ونفوذ. وهذا يتطلب وعيا استثنائيا لدى كافة شرائح الشعب اللبناني مفاده التطبيق الجدي والكامل لاتفاق الطائف تمهيدا للانتقال الى دولة لا طائفية.

لا شك في أن اتفاق الطائف يستفقد لبعض التحسينات وتنقصه بعض الاصلاحات ولكن الخوض به ووضعه على مشرحة التعديل سينتهي الى صياغة اتفاق آخر  يكتب بحبر الاقوى محليا واقليميا ولن يؤدي في نهاية المطاف
الى الخلاص المنشود بل الى تكرار الصورة السوريالية للملهاة اللبنانية. 

بخلاف ذلك فمستقبل اولادنا يبقى رهينة الحروب المتكررة والوصايات المتبدلة والاتفاقات المتجددة التي في حقيقتها لا تأخذ بالاعتبار الا النمو الدميغرافي لهذه الفئة او تلك، ولا تؤدي الا لمزيد من الاحباطات ولكثير من الانقسامات التي يستفيد منها نظام يتحكم بمصير شبه دولة وشبه مواطنين.

“لبنان الكبير” الذي اسس بالمفهوم الايجابي للملمة “باقة” الطوائف المتعايشة بلغ أرذل العمر وانتهى الى التقاعد في مزرعة حراس حدودها من الخارج ورعايا اسودها من الداخل وبقايا وروردها اشواك الطائفية والاقطاعية والمناطقية والعائلية.

لبنان التغيير هو الايمان حقا لا تجارة الايمان، هو هيبة السلطة لا هيمنتها، هو النظام فعلا لا انتظام المرتزقة امام ابواب القصور، هو الدولة وليس الدويلات، هو المحاسبة وليس المساومة، هو الشعب وليس الشعبوية، هو اصحاب المعالي لا التعالي، هو النواب وليس النوائب، هو الممثلون للشعب ليس الممثلين عليه، هو دفع ضريبة الانماء المتوازن لا ضريبة الانتماء للوازن، هو الوسطية بين الاصالة شرقا والانفتاح غربا، هو التغيير الشامل للنفسية البغيضة والذهنية المريضة اللتان تتحكمان بثلاثية الشعب والسلطة والمؤسسات.

اضف رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

WhatsApp chat