مصطفى أديب رئيسا من طرابلس إلى كل لبنان

كتب صفوح منجّد
في مطلع تسعينات القرن المنصرم تعرّفت مع بعض الأصدقاء والمثقفين على الصديق مصطفى أديب الذي كان يتابع دراساته الجامعية ويستعد لنيل شهادة الدكتوراه، وتعددت زياراتي ولقاءاتي معه في مكتبه بطرابلس وكنا ننصرف معا إلى البحث في قضايا مدينة طرابلس وأوضاعها ومطالبها المزمنة، وتوقفنا بصورة خاصة عند وجوب تشكيل تجمّع من المثقفين والجامعيين والناشطين في مجال متابعة القضايا المحلية، لاسيما إزاء تحريك مسألة اللامركزية الإدارية وإعتبارها البوابة الرئيس لمتابعة وتحقيق مشاريع طرابلس والشمال.
وكان ذلك قبيل صدور قرار تعيينه سفيرا في برلين فكان الوداع على أمل أن نلتقي ونعاود طرح أفكارنا ورؤانا، هكذا كانت تطلعاته ودأبه على متابعة قضايا الناس وملاحقة شؤونهم وشجونهم، ومن هنا لم يكن غريبا عليه أن يبادر فور تكليفه بتشكيل الحكومة العتيدة أن يزور المناطق والأحياء المتضررة من جراء الإنفجار الزلزال الذي وقع في مرفأ بيروت.
ومن الطبيعي أن يعتبر مسألة إعادة إعمار ما تهدم وما تضرر لها الأولوية المطلقة وأن يقف مع الناس محاولا بلسمة مآسيهم قبل بناء الحجر، هكذا نشأ وترعرع في طرابلس وأدرك معاني إغاثة الملهوف والدفاع عن المساكين، سلس المعشر والمخاطبة مع تقدير دائم لكلام محاوره ومناقشته بلغة علمية ومنهجية دقيقة ليخلص إلى إعلان مواقف صلبة وأحيانا مرنة وفق مضامين الحوارات الجارية وطبيعتها.
لقد إستخدم ال” أديب” الديبلوماسية ومارسها قبل أن يمتهنها إثر تعيينه سفيرا للبنان في برلين، وربما هذه الصفات بوأته أيضا ليكون عميدا للسلك الديبلوماسي العربي في ألمانيا، وهو الذي طُرح إسمه للترشح إلى النيابة عن طرابلس قبل وبعد تسلمه منصب السفير.
ولقد سمحت لي الظروف أن ألتقي “سعادته” في جلسة فنّية- روحية في ربوع غابة الأرز أثناء الإحتفاء مع السفارة المجرية في لبنان بزرع شجرة ارز تجسيدا للصداقة بين الشعبين اللبناني والمجري بحضور قنصل عام المجر بيتر لازار والدكتور مصطفى أديب وعقيلته والأصدقاء الدكتور محمود شربجي والرئيس السابق لبلدية بخعون زياد جمال.
يومها جرى حوار مطوّل بين الدكتور اديب والقنصل لازار حول مسألة الرؤى التي تفجّرت في داخل الرسّام المجري العالمي تشونتيفار تيفادار الذي “خلّد” إحدى الأرزات في رسومه بعد أن إستوقفته هذه الأرزة وإستدرجته إلى عوالمها فرسمها على طريقته في أكثر من لوحة، وتناول الدكتور أديب في ذلك اللقاء الروح التعبيرية والإنطباعية ومشاعرها الخاصة التي إستوحاها الفنان العالمي من وقائع الحياة اللبنانية الأمر الذي يبوح بمكنونات ما تختزنه عواطفه من المشاعر الإنسانية التي أشد ما يكون لبنان بحاجة إليها في الظروف الراهنة.
ويستوقفني اليوم أيضا “مؤتمر الخطاب السياسي في لبنان: المفهوم والممارسة” الذي نظّمه المجلس الثقافي للبنان الشمالي ومؤسسة فريدريتش إيبرت في فندق “كواليتي-ان “العام 2006 بطرابلس وشارك قيه كل من القاضي طارق زيادة والدكتور مصطفى أديب والدكتور عاطف عطية.
وقد تناول الدكتور أديب في مداخلته أهمية الإبتعاد عن المشاحنات والمناكفات في عرض القضايا الخلافية بين اللبنانيين أو تلك التي من شأنها إثارة المشاعر الطائفية والمذهبية، إضافة إلى الدعوة لإيلاء مسألة التضامن والتكافل والتقارب الأهمية القصوى إلى جانب قضايا الإنماء المتوازن واللامركزية الإدارية وتنقية وتحديث القوانين التي من شأنها عدم مراعاة التساوي بين اللبنانيين.
وبإنتظار الزيارة المتوقعة له إلى مدينته طرابلس خلال أيام وربما بعيد تشكيل حكومته في القريب العاجل وربما أيضا يخصص دولته أكثر من يوم في الإسبوع يمضيه مع أهل مدينته، يبقى السؤال تُرى هل نجافي الحقيقة إذا قلنا أنّ مضمون تلك المداخلة ستشكّل منهاج العمل للرئيس مصطفى أديب وحكومته العتيدة، لعلّ الإجابة عن هذا التساؤل تكمن في خطة العمل التي ستنتهجها الحكومة العتيدة، بغض النظر عن بعض “الهمسات والغمزات” التي تصدر من هنا وهناك بهدف النيل من الحكومة العتيدة قبل أن تبصر النور وقبل أن “نرى خيرها من شرها”.

اضف رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

WhatsApp chat