تحت عنوان “قرار السندات: «تعثّر غير منظّم» يُحرِّك التساؤلات عمّا بعده”، كتبت صحيفة “الجمهورية”:

موقع اعلاميو الميناء

مع القرار المتعلّق بسندات «اليوروبوند» المُنتظر صدوره اليوم، والذي يُعلن فيه «تخلّف» لبنان عن دفعها في مواعيدها التي تستحق اعتباراً من التاسع من آذار الجاري، يدخل لبنان مرحلة دقيقة ماليًا، وصفت بالمفصلية، يفترض ان تجيب عن التساؤلات المتراكمة على باب هذه المرحلة: ما هي عواقب القرار اللبناني بعدم الدفع؟ وهل يتفهّم الدائنون قرار عدم الدفع؟ وما هي الضمانات بألّا يضيّق هؤلاء الدائنون على لبنان؟ وهل انّ لبنان مستعد للأسوا فيما لو نحت الامور في اتجاه سلبي، وهل يملك لبنان أي خطة إنقاذية؟ وهل انّ هذا التخلّف سيؤثّر على المساعدات الخارجية الموعودة للبنان وفي مقدّمها المقرّرة في مؤتمر «سيدر»؟ وتبعًا لذلك، ما هو مستقبل الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان؟

وعلمت «الجمهورية»، انّ القرار أصبح محسومًا، وهو عدم الدفع، اي بتعبير تقني ودولي، هو «تعثّر غير منظّم»، كونه غير مرتبط بانطلاق مفاوضات مع المقرضين الدوليين أصحاب السندات الأجنبية.

وبحسب مصادر مطلعة على اجواء التحضيرات للقرار، فإنّه اتُخذ بعد بحث معمّق تمّ فيه استعراض كل السلبيات والإيجابيات لكل خيار ممكن، وقياسها على المصلحة الوطنية، التي أُعطيت الأولوية. حيث تبيّن أنّ قرار الدفع الجزئي للديون مع جزء من فوائدها وفي احتساب تقني وليس مزاجيًا، يبلغ حوالى 3 مليارات دولار، واذا اجّل لبنان 15 يومًا هذا المبلغ، فالأول من نيسان يحمل استحقاقًا جديدًا ماذا يفعل به؟! واذا سدّد هذه الدفعة، لن تكون هناك تغطية للدواء ولا للفيول ولا للمواد الأساسية، الأمر الذي سيكون بغاية الخطورة.

واكّدت المصادر، انّ التفاوض لم يبدأ بعد، وهذا يعني أنّ ردّات الفعل على قرار لبنان متوقعة وغير معروفة، اي لم يتبلّغ بها لبنان رسمياً. وقالت المصادر، اليوم هو «الكفّ الاول»، والرهان سيكون على تماسك اللبنانيين والحكومة لمواجهة الاسوأ، والبدء فورًا بإجراءات داخلية تحدّ من الانهيار او اقلّه تدير «التفليسة»، بعد التصنيف الذي يتوقعه لبنان، وهو الانتقال الى D او ما يُعرف بالتعثر والافلاس.

الى ذلك، كانت كواليس السياسة المرتبطة بالقرار، قد شهدت في الساعات الماضية تبادل اكثر من سيناريو، أبرزها إن يصار الى دفع شيء من المستحقات لحاملي السندات من اجل فتح باب المفاوضات حول السلّة الباقية من السندات الداخلية والخارجية. وأُفيد بأنّ ثمة من طرح تسديد نصف قيمة سندات «اليوروبوند» المستحقة الاثنين المقبل، او على الاقل دفع فوائدها التي تقارب الـ 282 مليون دولار اميركي، مع تنظيم عملية التفاوض مع الدائنين الخارجيين، وصولًا الى عقد تفاهمات جديدة طويلة او متوسطة الأجل حسب القدرات اللبنانية.

وفي معلومات «الجمهورية»، انّ جميع الذين شاركوا في المشاورات تبلّغوا رفض الثنائي الشيعي دفع اي جزء من هذه المستحقات ايًا كان شكلها وحجمها عن طريق احتساب فوائدها، او الفصل بين حصة المالكين الأجانب عن مالكيها اللبنانيين.

وربطاً بذلك، ابلغ خبير مالي كبير الى «الجمهورية»، انّ صعوبة الوصول الى قرار محدّد اسبابه ليست علمية بالدقة التي يتوقعها البعض، ان بُنيت المعادلة النهائية على المعطيات المالية والارقام النهائية. ذلك انّ ما ظهر واضحًا الى اليوم، يؤكّد انّ القرار سياسي اكثر مما هو تقني او مالي ونقدي.

والواضح، انّ الاجتماع الرئاسي – المالي الذي سيُعقد في القصر الجمهوري في بعبدا اليوم، سيؤمّن التغطية الكاملة للقرار اللبناني بعدم دفع السندات في مواعيد استحقاقها. وعلمت «الجمهورية»، انّه لن يكون هناك كلام في القصر الجمهوري عقب الاجتماع الرئاسي – المالي ولا بعد جلسة مجلس الوزراء، بل سيُترك اعلان الموقف حصرًا لرئيس الحكومة من السراي.

وقالت مصادر وزارية معنية بالشأن المالي لـ«الجمهورية»، انّ هذه التغطية للقرار مردّها الى انّه قرارٌ مصيري يتطلّب حدًّا من الاعلى من التوافق حوله، علمًا انّ هذا القرار خضع في الأيام القليلة الماضية الى دراسة معمّقة لكلّ الايجابيّات والسلبيّات التي ستترتّب عليه، لأنّه ليس قراراً آنياً عابراً، بل هو سيرسم وجهاً جديدًا للبنان، مع التأكيد أنّه قرار لا يستبطن أيّ تحدّ للدائنين الداخليّين والخارجيّين.

وردًا على سؤال حول توصيفها لهذا القرار، قالت المصادر، هو بلا شك قرار لا نستطيع اخراجه من خانة السلبية، وكنا نتمنى لو اننا لم نصل الى هذا الوضع، وخلافًا لكل ما يُقال، بأنّ قرار التخلّف عن الدفع وإعادة هيكلة او جدولة الديون، هو اعلان افلاس مقنّع، بل هو إجراء طبيعي تلجأ اليه الدول حينما تصل الى اوضاع صعبة كمثل ما وصل اليه الوضع في لبنان. وثمة سوابق عديدة لكثير من الدول التي وجدت نفسها عاجزة عن السداد في مواقيت معيّنة، فلجأت الى نوع من إعادة البرمجة والهيكلة مع الجهات الدائنة.

وعمّا اذا كانت الجهات الخارجية الدائنة، قد تفهّمت الموقف اللبناني، قالت المصادر: «بصرف النظر عمّا اذا كان هناك تفاوض مع الدائنين ام لا، فإنّ الجهات الدائنة تريد ان تحفظ حقوقها، وهي بلا شك مع ان تتقاضى مستحقاتها في مواعيدها، وفي اي حال، فإنّ الأصداء التي ترد الينا من الدائنين، ليست مريحة، انما هي ليست سلبية، وبالتالي يمكن الوصول الى حلول ومخارج في الايام المقبلة».

وعن التداعيات السلبية التي سيخلّفها قرار عدم الدفع على لبنان، قالت المصادر، السلبية موجودة اصلًا نتيجة الوضع الذي بلغه البلد.

وعشية موعد اعلان القرار الحكومي، إنشغل رئيس الحكومة بوضع اللمسات الأخيرة على خطابه الذي سيلقيه من السراي الحكومي في السادسة والنصف مساء اليوم، حيث يضمّنه رسالة الى اللبنانيين يحدّد فيها الظروف التي قادت الى اتخاذ القرار، ويضمّنها ايضًا «الخطة الإنقاذية» التي ستتّبعها الحكومة في المرحلة المقبلة.

وقالت مصادر السراي الحكومي لـ«الجمهورية»، انّ رئيس الحكومة، مدرك انّ الوقت لا يتسع لأي تلكؤ، وحراجة الوضع الاقتصادي والمالي والتراكمات الخطيرة التي تضغط على الواقع اللبناني بشكل عام، باتت تحتّم الإنصراف الكلّي لمقاربتها بالمسؤولية الكاملة وبناء التحصينات المطلوبة لاحتوائها ومنع تفاقمها.

واشارت المصادر، انّه «بناء على ذلك، فإنّ رئيس الحكومة سيرسم، بالتزامن مع إعلان القرار حول السندات، خريطة أولويّات تُقارَب بخطوات تنفيذية سريعة لها، وعلى كل المستويات، وتشكّل هذه الخريطة بحدّ ذاتها رسالة في كل الاتجاهات الداخلية والخارجية، تحدّد مسؤولية الحكومة اللبنانية وجدّيتها في سلوك طريق إخراج لبنان من أزمته. وأنّ المهم بالدرجة الأولى هو أن تُترك الحكومة تعمل، لا أن تتعرّض – وهي لم تتمّ بعد الشهر من عمرها – لمحاولات العرقلة والتشويش ووضع العصي في دواليبها وتُتهم بالتجاهل والتقصير امام ازمة خطيرة نتاج سنوات طويلة».

إلاّ أنّ خطّة الحكومة المنتظرة، في رأي سياسيين وخبراء اقتصاديّين وماليّين، محكومة بشرطين، الأول، الإجراءات والخطوات المسموح بها وتنفيذها في أسرع وقت ممكن، والثاني، الإجراءات والخطوات الممنوع اللجوء اليها.

وتحت خانة المسموح بها تندرج الخطوات التالية:

– الشروع فورًا في تطبيق الخطوات الإصلاحية، وخصوصًا تلك المطلوبة من المؤسسات الدولية، والتي ترتبط بها المساعدات الخارجية وأهمها المساعدات التي تقرّرت في مؤتمر «سيدر».

– ملء الشغور الفاضح في الإدارة، وخصوصًا في المؤسسات الحساسة، وفي مقدّمها تعيين نواب حاكم مصرف لبنان، والهيئات الناظمة في الكهرباء والاتصالات والطيران المدني.

– الشروع فورًا في معالجة قطاع الكهرباء، عبر الدخول – من دون وسطاء منعًا للصفقات والسمسرات – في مفاوضات سريعة مع الشركات الدولية، وخصوصًا تلك التي عبّرت عن استعدادها مساعدة لبنان في معالجة هذا القطاع مثل شركة «سيمنس»، او «جنرال الكتريك» او اي شركة اخرى، بما يوفّر على الخزينة هدر ملياري دولار سنويًا.

– الشروع فورًا في حملة حكومية ملموسة لمكافحة الفساد وتفكيك محمياته السياسية وفي الادارة، وذلك عبر التشدّد القضائي بحق المرتكبين الذين ما يزالون يعيثون في الادارات والمؤسسات فسادًا وارتكابات، وايضًا عبر تطبيق القوانين بالدرجة الأولى والتقيّد بأحكامها قبل كل شيء، بالتوازي مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف الصرف العشوائي، ووقف التهرّب الضريبي ومنع التهرّب والتهريب الجمركي، خصوصًا في المرافئ البحرية، والضبط الكامل للمعابر الحدودية.

– حماية العملة الوطنية، عبر إجراءات رادعة وصارمة بحق الصيارفة المتلاعبين بالليرة، وكذلك اتخاذ الإجراءات الصارمة بحق المصارف وإلزامها بتسهيل السحوبات للمواطنين، بالتوازي مع متابعة ملف تهريب الاموال الى الخارج (2360 مليون دولار) الى نهايته، خصوصاً انّ المصارف التي حوّلت هذه الاموال – قبل وخلال توقف المصارف بعد انتفاضة 17 تشرين الاول، بعلم مصرف لبنان طبعًا – ارتكبت أكبر جريمة أخلاقية بحق البلد، على حدّ قول رئيس مجلس النواب نبيه بري.

اما تحت خانة الممنوع، فتندرج الخطوات التالية:

– فرض أي رسوم أو ضرائب جديدة على المواطنين. زيادة الضريبة على القيمة المضافة، حتى ولو كانت الزيادة بنسبة 0,1 %. وزيادة 5 آلاف ليرة على سعر صفيحة البنزين. وكذلك زيادة اي رسوم على المواد الاساسية.

وسألت الجمهورية مصادر وزارية معنية بالشأن المالي عن صحة ما تردّد حول توجّه الحكومة الى اللجوء الى هذه الخطوات في هذه المرحلة فقالت: «الشائعات كثيرة، وأيّ كلام حول هذا الأمر سابق لأوانه، واي خطوات من هذا النوع ليست مطروحة حاليًا».

الا انّ مرجعًا سياسيًا قال لـ«الجمهورية»: في حال تمّ الإقدام على هذه الخطوات في هذه المرحلة، معناه انّ الحكومة ترتكب بذلك خطأ قاتلاً. فالمطلوب من الحكومة أن تبادر الى خطوات تطمئن المواطن، لا ان تزيد عليه اعباءه، فضلًا عن انّ اي زيادة من هذا النوع تقدّم خدمة مجانية للحراك بأن يتحرّك اكثر وبشكل تصعيدي اكبر من السابق.

ولفت المرجع، الى انّ «هناك اولويات ينبغي على الحكومة ان تقاربها، وتُشعر من خلالها المواطن انّها وضعت نفسها جدّيًا على طريق المعالجة، على ان يليها وضع اي خطوات اخرى على طاولة البحث في مرحلة لاحقة. وليس ان تبدأ هذه الخطوات باستسهال الضغط على المواطن وتدفيعه ثمناً اضافيًا الى جانب الأكلاف الكبرى التي يدفعها جراء الأزمة، وانا شخصياً، إن تمّ اللجوء الى مثل هذه الخطوات حاليًا وقبل العلاجات المطلوبة، فلن اتردّد في دعوة الناس الى العصيان وعدم الدفع».

اضف رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

WhatsApp chat