بين الدولار والليرة تحركات سعر الصرف كيف وإلى أين؟

موقع_اعلاميو الميناء

عاد الدولار أمس إلى ارتفاع بعد هبوط متواصل استمر حوالى أسبوع، وبعد مساعي السلطة النقدية الي تعزيز الليرة عبر القيود على سحوباتها من المصارف من ودائع الدولار، وعملاً بالمبدأ الاقتصادي العام «اعادة القوة للنقد الوطني عمل وطني».. ولكن شروط اقتصادية تتوقف على الهدف والكيفية وعلى العوارض الجانبية. منها أنه بين أهم المسؤوليات الملقاة على عاتق المصارف المركزية في العالم ليس فقط «الاستقرار النقدي» وانما أيضا «تحقيق معدلات كافية للنمو» و«توفير الفرص الكافية للعمل».
وحتى «الاستقرار النقدي» لا يعني دائما أو بالضرورة «قوة العملة الوطنية» وانما قوة الاقتصاد، عملا بالمبدأ الأساسي: «اقتصاد قوي وعملة ضعيفة أفضل من اقتصاد ضعيف وعملة قوية». وأحد الأخبار البارزة في التاريخ الاقتصادي الرسالة التي بعث بها في عشرينيات القرن الماضي الى زاوية «بريد القراء» في مجلة The Economist اقتصادي مغمور يدعى «جون كينز» (الذي أصبح لاحقا أحد أهم اقتصاديي العالم وبلقب «اللورد كينز») مخاطبا وزير المالية في حينه ونستون تشرشل الذي كان قد اتخذ قرار تقوية الجنيه الاسترليني برفع سعره مقابل أسعار العملات الأوروبية الأساسية. وكان عنوان رسالة «كينز Why Mr Churchill Made Such Silly Mistake أو «لماذا ارتكب السيد تشرشل هذه الغلطة السخيفة»! وثبت فيما بعد ان القرار الذي اتخذه وزير المال بتقوية «العملة الوطنية « الحق اضرارا كبيرة بـ»الاقتصاد الوطني» لجهة انخفاض صادرات المنتجات الانكليزية التي أصبحت بسعر الجنيه المرتفع أعلى كلفة على المستودين الذين تحولوا الى سلع أوروبية وتسبب ذلك بشلل صناعي وتسريحات عمالية اضطرت وزير المالية الى العودة الى خفض «العملة الوطنية».
..يأتي ارتفاع سعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار يأتي بمنافع محدودة لصادرات الصناعة للوصول إلى السياحة بالنظر الى مساهمة هذين القطاعين في الناتج الوطني قد تراجعت بسبب الأزمة المصرفية والعدوى الوبائية، لكن كون ارتفاع السعر (أو رفعه) يحصل عن طريق تقييد شديد للسحوبات أو التسليفات بالليرة اللبنانية بدلا من طريق زيادة القوة الانتاجية، بما أدى الى استمرار صعوبات الحصول على المواد المعيشية والطبية والضرورية الأساسية عبر الانتقال من «الاختناق» بالدولارات الى «اختناق» بالليرات التي قيدت بسلاسل نقدية انكماشية لا يمكن كسرها الا بمطرقة السوق السوداء التي لا ترحم – في مختلف الحالات – لا المصدر ولا المستورد ولا المستثمر ولا المواطن.
للوصول إلى البدائل المتوافرة بأقل الأضرار وأكثر المنافع، لا بد من تجنب الشعارات «الشعبوية» التي قد تخدم قطاعا اقتصاديا معينا على حساب قطاعات أخرى، أو شريحة أو فئة اجتماعية معينة عل حساب شرائح وفئات اجتماعية أخرى، كما حصل عندما أقرت سلسلة الرتب والرواتب وصرفت دفعة واحدة انهكت الموازنة العامة للدولة والحقت الأضرار حتى بموظفي واجراء الدولة أنفسهم بالتضخم الذي أفقدهم كل ما حصلوا عليه من «مكتسبات» ومعها جزءا كبيرا من ادخارات الشعب من مختلف الشرائح والفئات!
صحيح ان ارتفاع سعر الليرة يريح كل ذوي الدخل المحدود بالليرات وهو أمر حيوي في الأزمة الحالية المستعصية، ولكن ترك السعر في مهب العوامل النفسية أو حتى السياسية، دون تحديد معادلة الصرف السليمة والصحية وتركها تحت رحمة التقلبات والتغيرات والمخططات الخفية في السوق السوداء بدلا من الوصول الى «سعر واقعي للصرف الاقتصادي»، سيؤدي الى المزيد من الفوضى ويطلق حبل الغارب في المزيد من المضاربات بما يفقد قرار التشدد في السحوبات والتسليفات بالعملة الوطنية أي ايجابيات محتملة قد تعيد الدولار بعدها الى عرش أمتن وأعلى، وهو الأمر الذي حاول «الحكماء» من أهل الاقتصاد تجنبه بالدعوة الى توحيد سعر الصرف الذي بات يتشرذم ويتقسم حتى بلغ أكثر من ٤ أو ٥ معدلات مختلفة تشد أطراف الاقتصاد الى جهات متعددة تلتقي في النهاية عند شفير الهاوية.
ولكن ما هو سعر الصرف السليم والاقتصادي والصحي لليرة اللبنانية بعيدا عن الشعارات الشعبوية والمطالب الفئوية أو «الوطنية»؟
الجواب انه عندما ثبت مصرف لبنان سعر الدولار على 1507,50 ليرة لبنانية لم تكن هذه المعادلة تمثل القيمة الاقتصادية الحقيقية لليرة اللبنانية بدليل ان مصرف لبنان كان يتبع سياسة التدخل في السوق المفتوحة الـOpen Market لمنع هذا المعدل من الانزلاق وبدليل أيضا انه ما توقف مصرف لبنان عن التدخل حتى انطلق الدولار من عقاله وارتفع الى معدلات عالية غير مسيبوقة في تاريخ اقتصاد لبنان، وهو الأمر الذي يطالب به صندوق النقد الدولي لأن في شروط اصلاحية من بينها توحيد سعر الصرف الذي كانت حكومة تصريف الأعمال الحالية قد حددته بـ٤٠٠٠ ليرة للدولار موازية تقريبا لـ٣٩٠٠ ليرة التي تصرف بها المصارف الآن السحوبات بالليرة من ودائع الدولار. وهذا السعر تجاوزته الأحداث هبوطا بعد اخفاق حكومة التكنوقراط وامتناعها عن دفع استحقاقات «اليوروبوندز» وتصاعد حدة الكورونا الوبائية والتداعيات المالية والاقتصادية للتفجير المروع في مرفأ بيروت، أو صعودا مع تراجع الطلب على الدولار بسبب تقلص الاستيرادات بحوالي ٤٠% ومع انطلاقة المبادرة الفرنسية والتكليف الحكومي على أبواب التأليف المرتقب ومعه الانتقال مع صندوق النقد الدولي من مرحلة المشاورات والمباحثات الى مرحلة المفاوضات والقرارات اضافة إلى تعهد الرئيس الفرنسي بمؤتمر دولي جديد لمساعدة لبنان يجدد مفاعيل مقررات «سيدر» ويفتح الباب على الصناديق العربية والدولية وبما يضع سعر الصرف بين هبات باردة وساخنة لا بد للخروج منها الوصول الى معدل اقتصادي واقعي قد يصل في ضوء الدراسات العلمية والحيادية الى أرقام يتداول بها الآن في بعض التقديرات بين دولار الـ٥٠٠٠ أو ٦٠٠٠ ليرة وصولا ربما الى الـ١٤٠٠٠ ليرة.

الكاتب: ذو الفقار قبيسي – اللواء

اضف رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

WhatsApp chat