مستفيدون ومتضررون من “درع الشمال”

2018/12/6

كتب حسام عيتاني في صحيفة “الشرق الأوسط”:

أربعة مستويات، على الأقل، يمكن تناولها أثناء البحث في خلفيات بدء إسرائيل عملية «درع الشمال» لتفكيك منظومة الأنفاق التي حفرها «حزب الله» بنيّة استخدامها في أي حرب مقبلة.

المستوى الأول: يتعلق بإمكان اندلاع حرب قريبة بين الجانبين؛ فمنذ كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي، التي أظهر فيها صوراً لما قال إنها مراكز يستخدمها «حزب الله» لتطوير ترسانته الصاروخية وتحويلها إلى صواريخ دقيقة الإصابة، بدا أن قرارا إسرائيليا قد اتخذ بنقل المواجهة مع إيران من سوريا إلى لبنان، بعد إبعاد القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها مسافة 80 كيلومترا عن الحدود مع هضبة الجولان المحتلة. يضاف إلى ذلك أن الاستياء الروسي بعد سقوط طائرة التجسس من طراز «إليوشين 20» قبالة الشاطئ السوري أثناء غارة إسرائيلية، قد ضيّق هامش التحرك الإسرائيلي الذي يستهدف إيران في سوريا. كما أن استمرار ملاحقة عناصر وشبكات الحزب المالية والأمنية في العالم يشير إلى درجة عالية من عدم التسامح مع نشاطاته.

بيد أن ما سبق لا يكفي للقول إن الحرب باتت وشيكة، نظرا إلى غياب الفائدة الاستراتيجية منها قبل بروز آثار العقوبات الأميركية على إيران وإمكان فرض تغيير في سياسات طهران في المنطقة، وهو أمر ما زال بعيد المنال ولم يدخل بعد في إطار السياسات الواقعية.

المستوى الثاني: يختص بالصلة بين الكشف عن الأنفاق وأزمة نتنياهو الداخلية: كما في كل حدث، ارتفعت الأسئلة عن معنى التوقيت، وعن المستفيد منه، وعن الخط الفاصل بين الخطر العسكري المباشر الذي كانت لتشكله الأنفاق وبين استغلال نتنياهو السياسي لها. وذهبت صحيفة «هآرتس» إلى وصف العملية بـ«درع نتنياهو» بدلا من «درع الشمال»، وهو الاسم الذي اعتمده الجيش الإسرائيلي.

ومعلوم أن تفكك الائتلاف الحاكم بعد استقالة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان الشهر الماضي، والحديث عن هشاشة التأييد البرلماني للحكومة وضرورة إجراء انتخابات مبكرة، إلى جانب توصية الشرطة بتوجيه اتهامات بالفساد إلى رئيس الوزراء… عوامل تبرر التساؤلات التي طرحها عدد من المحللين الإسرائيليين غداة العملية عن سبب «المهرجان الإعلامي» الذي رافقها، وهل كانت التغطية الكثيفة للحدث والمؤتمر الصحافي الذي عقده نتنياهو بحضور قادة الجيش مساء الثلاثاء الماضي تعود إلى أهمية ما جرى الإعلان عنه؛ أم إن العقد السياسية التي يجد رئيس الوزراء نفسه في وسطها تضغط عليه لاستغلال الورقة الرابحة الدائمة (الجيش) في معركة التمسك بمقعد السلطة التنفيذية.

والحال أن تقارير الصحف الإسرائيلية تفيد بأن رصد الأنفاق ساهم في امتناع قوات الاحتلال عن توجيه ضربة واسعة النطاق إلى غزة بعد فشل عملية التسلل الإسرائيلية إلى القطاع الشهر الماضي وما أعقبها من قصف. جاء الامتناع خشية وقوع حرب على جبهتين إذا تزامن الهجوم على غزة مع كشف الأنفاق وقيام «حزب الله» بتفعيل الجبهة الشمالية. هذا التقييم لا يزيل رائحة التوظيف السياسي عن موضوع الأنفاق بسبب الترابط الشديد بين المسائل الأمنية والسياسية في إسرائيل.

المستوى الثالث: يتناول تأثير أي حرب مقبلة بين إسرائيل والحزب، على القضية الفلسطينية: ذلك أن الشعار الذي ترفعه كل القوى القائلة بالعداء لإسرائيل هو شعار التحرير والعودة والحقوق. لكن التجارب قدمت دروسا مريرة عن مدى انفصال هذه القوى وممارساتها عن شعاراتها.

وبات ثمة عدد من القضايا الفلسطينية المنفصلة بعضها عن بعض وإن تجاورت في الجغرافيا. وما يجري من حصار في غزة لا يؤثر على الاستيطان في الضفة الغربية على سبيل المثال، والجهتان المسيطرتان على الساحة الفلسطينية غير وارد توحيد جهودهما رغم كثرة المصالحات والمحادثات. غياب الوحدة الوطنية الفلسطينية يترك المجال مباحا أمام توظيف القضية في جداول أعمال دول لها حساباتها الاستراتيجية الخاصة بها، مثل إيران التي يشكل فيها الموضوع الفلسطيني مبررا آيديولوجيا للنظام وعنصر تحدّ لتصورها الجيو – استراتيجي عن نفسها كقوة إقليمية كبرى.

المستوى الرابع: هو ذلك الذي يصل إلى الداخل اللبناني المأزوم والغارق في أزمات لا حل في الأفق لها. وقد درج الإسرائيليون منذ أعوام على اعتبار الحكومة اللبنانية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن كل أعمال وتصرفات «حزب الله»، واتخذت التهديدات للبنان بإعادته «إلى العصر الحجري» سمة دورية. تبرر السلطات الإسرائيلية هذا الخطاب بما تصفه خضوع لبنان الرسمي لإملاءات الحزب الذي يسيطر على المجالين الأمني والسياسي في البلد برعاية قسم كبير من الحكومة اللبنانية. عليه، يتعين على بيروت أن تدفع ثمن أي إخلال بالتوازن القائم حاليا أو أي عمل مسلح يقوم به الحزب.

الدعوات التي صدرت في لبنان بعد بدء العملية الإسرائيلية، بضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة «للتصدي لأي عدوان إسرائيلي» تدعو للرثاء فعلاً، إذ إن القسم الأكبر من الشلل السياسي في لبنان وتعذر تشكيل حكومة فيه بعد 7 أشهر على انتخاباته النيابية، يرجع إلى صعوبات افتعلها الحزب وأنصاره؛ مما يجعل أي حكومة مقبلة، وبغض النظر عن شكلها، رهينة في الصراع الإيراني – الإسرائيلي وليست فاعلاً فيه.

اضف رد